العرفان والتصوف
ان دراسة ظاهرة التصوف ستقودنا الى دراسة ظاهرة اخرى، تلك هي ظاهرة العرفان، التي قد نجد كثيرا من اوجه الشبه بينهما مع انفصالهما في محاور جوهرية، وبخاصة في البعدين الفردي والاجتماعي.
وفي دراسة مثل هذه الظاهرة المعقدة.. يجد المرء نفسه غائصا في عالم النفس الانسانية، يحاول ان يتعرف طبيعة مكنوناتها والقوى التي تتجاذب فيها قيادة الانسان لتسيطر على مساره وتجربته في الحياة.
فهناك مساحات شاسعة تزخر بالاوهام والخيال الوثاب، وهناك ميدان تموج فيه الغرائز والميول البشرية.. وهناك الى جانب ذلك كله آفاق ممتدة تتالق فيها الحقائق التي اودعها الله سبحانه لتكون مصابيح تضيء الطريق امام عباده.
ولعل هذا ما ترمز اليه آيات القرآن الكريم، وهي تتحدث عن:
«النفس اللوامة»، «النفس الامارة بالسوء» و«النفس المطمئنة».
الباحث في علم العرفان ولأول وهلة دائماً ما يتصور نحواً من العلاقة بين علم العرفان وحركة التصوّف، ولعل هذا التصور ناتج من الإيحاءات المنعكسة عن المظاهر الخارجية لبعض علماء العرفان المحاكية للهيكلية الخارجية لحركة التصوّف المتجسدة في اللباس الخشن والحذاء المرقّع والعزلة الدائمة.
مع أن الحقيقة الواقعية لعلم العرفان والعرفاء لا تكمن في هندسة الهيكل الخارجي، إذ قد يوجد في عالم العرفان ( عرفاء لا يتميزون بالظاهر عن الآخرين في شيءٍ، وهم في نفس الوقت من أعمق أهل السير والسلوك العرفاني، وفي الحقيقة إن العرفاء الحقيقيين هم من أهل هذه الطبقة، لا أولئك الذين اخترعوا من تلقاء أنفسهم مئات الآداب وابتدعوا ما شاءوا من ا**************** ) "**" علم العرفان: ص12.
بالإضافة إلى وجود الفوارق الجوهرية بين منهج المتصوفة ومنهج العرفاء على الصعيد الفكري ( فالعرفان .. ينطلق من المعرفة الإلهية وصولاً إلى حالة تكاملية تسعى للتكامل مع الإنسان السوي، الذي أراده تعالى ليكون خليفته في الأرض. وتوحيد العارف بالله ينطلق من إدراكه أن الوجود الحقيقي ينحصر بالله تعالى، فكل ما عدا الله مظهر لا وجود له، فتوحيد العارف هو لا شيء إلا الله، وهو توحيد يكون في طي طريق الوصول إلى مرحلة لا يرى فيها إلا الله وما أراد منه. وبهذه الخاصية ينفرد العرفان الشيعي عن العرفان الذي قالت به الصوفية حيث اعتبروا أن " العارفين هم من أشهدهم الله تعالى عليه فظهرت الأحوال عن نفسه والمعرفة عن حاله ) :" التشيع والتصوف ص 163.
فالأفكار العرفانية في الرؤية الحوزوية تتقلّب بين فئتين:
1- الفئة الأولى: وهي التي ترى بأن الفكر العرفاني هو أحد العلوم التي يقال في حقها " علم لا ينفع مَن علمه و لا يضر مَن جهله"، وطلبه وتحصيله مضيعة للعمر يكشف عن الضعف الكامن في الشخصية العلمية.
وهذه الرؤية معرضة للوجدان لما هو معلوم من أن كبار علماء العرفان يعدون من أجلاء العلماء والفقهاء على المستوى الحوزوي. وافضل مثال هنا هو السيد الخميني رحمه الله الذي كان فقيها مبرزا ومن اعلم المراجع وفي الوقت ذاته يعد من ابرز الفلاسفة العرفانيين. والكلام نفسه ينطبق كذلك على السيد عبد الاعلى السبزواري رحمه الله.
2- الفئة الثانية: هي التي ترى بأن الفكر العرفاني أحد العلوم الإسلامية الجليلة التي تلعب دوراً كبيراً في إثراء الحركة العلمية والفكرية على الصعيدين الفلسفي والكلامي.
ومن أبرز رواد هذه الفئة [صدر الدين الشيرازي ] المعروف بـ صدر المتألهين ، الذي سلك مسلك العرفاء فاستطاع أن يثري المدرسة الإسلامية بأدق النظريات الفلسفية المهمة، والتي كان من بينها النظرية المشهورة " نظرية الحركة الجوهرية " .
بل قيل: بأن كتابه " الأسفار " ما هو إلا ثمرة من ثمرات سيره وسلوكه في المسلك العرفاني، وما الطف ما ذكره العلامة المظفر قدس سره في حديث عن صدر المتألهين قدس سره قال:
" وهو يعتقد بأن الإنسان يتمكن من الحصول على العلم اللدني والانكشاف اليقيني بطول المجاهدات والانقطاع إلى الله تعالى، بعد تصفية الباطن ورفع الحجب عن النفس. لذلك قال قدس سره نتيجة لتلك العزلة - اشتعلت نفسي لطول المجاهدات والتهب قلبي لكثرة الرياضات التهاباً قوياً، ففاضت عليها أنوار الملكوت، وحلّت بها خبايا الجبروت، ولحفّتها الأضواء الأحدية، وتداركتها الألطاف الإلهية، فاطلعتُ على أسرار لم أكن اطلعت عليها إلا الآن، علمته من قبل بالبرهان عاينته مع زوائد بالشهود والعيان ـ الأسفار: ج1.
يرى صدر المتألهين أن المعرفة تحصل من طريقين:
· طريق البحث والتعليم، الذي يستند على الأقيسة والمقدمات المنطقية.
· طريق العلم اللدني الذي يحصل من طريق الإلهام والكشف والحدس.
وهذا الأخير إنما يحصل بسبب تجريد النفس عن شهواتها ولذائذها، والتخلص من أردان الدنيا وأوساخها، فتنجلي مرآتها الصقيلة وتنطبع عليها صور حقائق الأشياء كما هي، إذ تتحد النفس بالعقل الفعال حينما تحدث لها فطرة ثاية بذلك) "**" الأسفار: ج1، ص9.
ولا يكتفي صدر المتألهين ببيان هذه الأطروحة بل يندّد بأصحاب الفئة الأولى، فيقول:
(إن كثيراً من المنتسبين إلى العلم ينكرون العلم الغيبي اللدني الذي يعتمد عليه السُلاّك والعرفاء، وهو أقوى وأحكم من سائر العلوم) "**" الأسفار: ج1، ص9.
ونظرية صدر المتالهين اثبتت ولاول مرة في تاريخ الفلسفة التكامل بين الروح والجسد في الحركة الجوهرية والتي اثنى عليها المفكر والفيلسوف الكبير محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه في كتابه الشهير فلسفتنا.
وبعد بيان هذه اللمحة الخاطفة عن أحد روّاد هذه الفئة نستطيع أن نتعرف على قيمة الفكر العرفاني عند من سمي بآخر العرفانيين عند (( المرجع السيد عبد الاعلى السبزواري قدس الله سره )) فهو يرى :
" بأن الفكر العرفاني من العلوم المهمة للوصول إلى الحقائق المعرفية وإن كان ضيّعه بعض وتجاهله آخرون.
فتجده في بحوثه العرفانية يعيش نفثات حارة مختزنة في داخله ، يأسف فيها على أولئك النفر الذين أضاعوا هذا العلم الشريف وتجاهلوا مقامه.
فتقرأ قوله في ختام أحد أبحاثه العرفاينة:
" والبحث نفيس جداً لو وجدت لهذا العلم الشريف حَمَلة " : مواهب الرحمن:ج2، ص160.
وفي موضوع آخر يقول:
" والغور في البحث مستلزم للخروج عن الموضوع ولم أرَ مَن يليق بذلك في زماننا هذا" "**" مواهب الرحمن: ج9، ص181.
وبتعبير آخر في موضع ثالث يقول:
" ولكل من هذه الأمور مراتب ودرجات وحدود، ولولا قول نبينا الأعظم " المؤمن ملجم " لكان لغور البحث فيها مجال " "**" مواهب الرحمن:ج9، ص220.
الخطوط العامة لعلم العرفان ...
وهو أول منزل من منازل السير إلى رب العباد، ومن جهة الاستقامة والبقاء عليه تجتمع فيه سائر المقامات من التخلية والتحلية والتجلية بل الفناء، والثبات عليه ثبات في الرحمة الواسعة التي لم تزل ولا تزال ويشتد مقام التوحيد فيعبد الله جلت عظمته حباً له لا لشوق الوعد ولا لخوف الوعيد."**" مواهب الرحمن: ج9، ص220.
ولذا قال علماء السير والسلوك: إن أول قدم للسالك أن يخرج من الدنيا وما فيها وأن يخرج من النفس وصفاتها"**" مواهب الرحمن:ج9، ص181.
والمراد من الطاعة : الانقياد الكامل والامتثال مع الإخلاص لجلب رضا الحق وترك ما سواه، فهي الوسيلة للوصول إلى الدرجات الرفيعة السامية، والأفق القريب منه جل شأنه، وهي التي أكدت عليها الآيات الشريفة ودعى إليها الأنبياء والأولياء بألسنة مختلفة، واهتموا بها لأنها المبعث لتكريم الإنسان ونيله أشرف المراتب وأجل المقامات.
وبالطاعة الحقيقية ينال الإنسان الدرجات الرفيعة والمراتب الشريفة، ويتجاوز عن حد الكمال ويصل إلى درجة التكميل، فتكون له المعية في الدرجة لا في الاتحاد، كما في بعض الروايات لأن التساوي في كل جهة معه محال كما ثبت في الفلسفة الإلهية "**" مواهب الرحمن: ج9، ص19
ويتشرف المؤمن بالإخلاص إلى أعلى مراتب الكمال بلذة ذل العبودية له تعالى، وبه يخرق الحجب ويصل إلى معدن العظمة، فعن نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إنه سئل عن الإخلاص فقال عليه صلى الله عليه وآله وسلم: حتى أسأل جبرئيل، فلما سأله قال: حتى أسأل رب العزة، فلما سأله قال له: هو سر من أسراري أودعه قلب مَن أحببت من عبادي لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وعن سيد البلغاء أمير المؤمنين عليه السلام - هو أن تعبد الله كأنك تراه - فحقيقة الإخلاص يدركها الخُلّص من عباده ولكنها لا توصف ، والإخلاص من أعلى مراتب التفويض"**" مواهب الرحمن: ج9،ص307.
· الرابع : الإيمان والدعاء
ولا ريب في أن أقوى مراتب سلوك السالكين إلى الله جلّت عظمته، وأهم مقامات سيرهم وسفرهم إنما هو السفر من الخلق إلى الحق، أي التوجه التام بحيث ينقطع عما سواه تعالى، وهو السير في الحق بالحق، وهذا السفر الروحاني يصح أن يعبر عنه بأنه سفر من المحدود من كل جهة إلى غير المحدود من جميع الجهات، وعطف وحنان ممن لا حدّ لرحمته وحنانه وعنايته إلى من هو المحتاج على الإطلاق، وهذا السفر وهذه الرحمة والعطف يتحققان في حقيقة الدعاء مع الإيمان بالله جلّت عظمته، وبما جاء به نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذه الحقيقة مع ذلك ( الإيمان ) عبارة عن تخلي النفس عن جميع الرذائل، وطهارة روحية من جميع الصفات الذميمة والأهواء الشريرة وارتباط روحي مع عالم الغيب "**" مواهب الرحمن: ج3، ص81.
وهو من أجلّ مقامات العارفين، بل هو من أعظم مظاهر حب الحبيب لمحبوبه، فإنه من أحب شيئاً أكثر من ذكره، ومن علامات الحبيب الاستمتاع بذكر حبيبه، وقد قالوا : إن المحب إذا صمت هلك، والعارف إذا نطق هلك، لأن الأول مجبول على ذكر الحبيب، والثاني مأمور بستر الأسرار، ونسب إلى سيد الساجدين عليه السلام:
يا رب جوهر قدس لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممَن يعبد الوثنا "**" مواهب الرحمن: ج2، ص160.
وهي الانتقال والرحيل، وإنها من اكمل الصفات الحسنة وأجلها إن كانت ناشئة عن الحب الواقعي لله سبحانه وتعالى والانقطاع إليه جلّ شأنه، وبها يحصل الود والحب له عز و جل ومنه تعالى لعبده.
بل إن الهجرة من الفناء في ذاته جلّت عظمته لأن بها يخرج الإنسان عن ذل ما توطن فيه من الصفات الذميمة ويبعد عن المعاصي التي تحصل عن الأهواء الشيطانية كالكبر والحسد والبطر والجهل وغيرها.
وبالهجرة يفوز الإنسان وينال الكمالات بأنواعها وأقسامها الظاهرية والمعنوية فعن نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:
من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
وبالهجرة يرتقي الإنسان عن حدود البشرية في طلب حضرة الربوبية إلى منتهى السعادة بصفاء القلب وتزكيته والعروج إليه جلّت عظمته، لأن البقاء والسكون فيها الذين لا يرضاهما تعالى من آثار الحجب والبعد عن ذاته المقدسة والقرب من الشيطان.
وبها يستغني المهاجر عن ما سواه تعالى ويذوق لذة العبودية لله جلّ شأنه وينال شرفها بالخضوع الحقيقي له عزّ و جلّ.
فالهجرة الواقعية من أسمى الصفات الكريمة وأجّل الكمالات الواقعية وأرفع المنازل العظيمة وأشرف الحائق بل هي غاية السير والسلوك إليه عزّ و جلّ لأنها مبايعة الله تعالى مع عبده بالهجرة إليه عزّ و جلّ "**" مواهب الرحمن: ج9، ص208.
دعاء الامام الحسين في يوم عرفة
دعاء الامام الحسين في يوم عرفة هو اصل العرفان واسه ومبداه ومنتهاه هذا اعتقده انا الحقير الفقير وانا اقتبس جذوة من نار موسى (ع) من دعاؤه عليه الصلاة والسلام للاختصار:
اِلهى اَنَا الْفَقيرُ فى غِناىَ فَكَيْفَ لا اَكُونُ فَقيراً فى فَقْرى، اِلهى اَنَا الْجاهِلُ فى عِلْمى فَكَيْفَ لا اَكُونُ جَهُولاً فى جَهْلى، اِلهى اِنَّ اخْتِلافَ تَدْبيرِكَ، وَسُرْعَةَ طَوآءِ مَقاديرِكَ، مَنَعا عِبادَكَ الْعارِفينَ بِكَ عَنْ السُّكُونِ اِلى عَطآء، وَالْيأْسِ مِنْكَ فى بَلاء، اِلهى مِنّى ما يَليقُ بِلُؤُمى وَمِنْكَ ما يَليقُ بِكَرَمِكَ، اِلهى وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِاللُّطْفِ وَالرَّأْفَةِ لى قَبْلَ وُجُودِ ضَعْفى، اَفَتَمْنَعُنى مِنْهُما بَعْدَ وُجُودِ ضَعْفى، اِلهى اِنْ ظَهَرَتِ الَْمحاسِنُ مِنّى فَبِفَضْلِكَ، وَلَكَ الْمِنَّةُ عَلَىَّ، وَاِنْ ظَهَرْتِ الْمَساوىُ مِنّى فَبِعَدْلِكَ، وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَىَّ اِلهى كَيْفَ تَكِلُنى وَقَدْ تَكَفَّلْتَ لى، وَكَيْفَ اُضامُ وَاَنْتَ النّاصِرُ لى، اَمْ كَيْفَ اَخيبُ وَاَنْتَ الْحَفِىُّ بى، ها اَنَا اَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِفَقْرى اِلَيْكَ، وَكَيْفَ اَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِما هُوَ مَحالٌ اَنْ يَصِلَ اِلَيْكَ، اَمْ كَيْفَ اَشْكُو اِلَيْكَ حالى وَهُوَ لا يَخْفى عَلَيْكَ، اَمْ كَيْفَ اُتَرْجِمُ بِمَقالى وَهُوَ مِنَكَ بَرَزٌ اِلَيْكَ، اَمْ كَيْفَ تُخَيِّبُ آمالى وَهِىَ قَدْ وَفَدَتْ اِلَيْكَ، اَمْ كَيْفَ لا تُحْسِنُ اَحْوالى وَبِكَ قامَتْ، اِلهى ما اَلْطَفَكَ بى مَعَ عَظيمِ جَهْلى، وَما اَرْحَمَكَ بى مَعَ قَبيحِ فِعْلى، اِلهى ما اَقْرَبَكَ مِنّى وَاَبْعَدَنى عَنْكَ، وَما اَرْاَفَكَ بى فَمَا الَّذى يَحْجُبُنى عَنْكَ، اِلهى عَلِمْتُ بِاِخْتِلافِ الاْثارِ، وَتَنقُّلاتِ الاَْطْوارِ، اَنَّ مُرادَكَ مِنّى اَنْ تَتَعَرَّفَ اِلَىَّ فى كُلِّ شَىء، حَتّى لا اَجْهَلَكَ فى شَىء، اِلهى كُلَّما اَخْرَسَنى لُؤْمى اَنْطَقَنى كَرَمُكَ، وَكُلَّما آيَسَتْنى اَوْصافى اَطْمَعَتْنى مِنَنُكَ، اِلهى مَنْ كانَتْ مَحاسِنُهُ مَساوِىَ، فَكَيْفَ لا تَكُونُ مُساويهِ مَساوِىَ، وَمَنْ كانَتْ حَقايِقُهُ دَعاوِىَ، فَكَيْفَ لا تَكُونُ دَعاوِيَهِ دَعاوِىَ، اِلهى حُكْمُكَ النّافِذُ، وَمَشِيَّتُكَ الْقاهِرَةُ لَمْ يَتْرُكا لِذى مَقال مَقالاً، وَلا لِذى حال حالاً، اِلهى كَمْ مِنْ طاعَة بَنَيْتُها، وَحالَة شَيَّدْتُها، هَدَمَ اِعْتِمادى عَلَيْها عَدْلُكَ، بَلْ اَقالَنى مِنْها فَضْلُكَ، اِلهى اِنَّكَ تَعْلَمُ اَنّى وَاِنْ لَمْ تَدُمِ الطّاعَةُ مِنّى فِعْلاً جَزْماً فَقَدْ دامَتْ مَحَبَّةً وَعَزْماً، اِلهى كَيْفَ اَعْزِمُ وَاَنْتَ الْقاهِرُ، وَكَيْفَ لا اَعْزِمُ وَاَنْتَ الاْمِرُ، اِلهى تَرَدُّدى فِى الاْثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوصِلُنى اِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْد لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً، اِلهى اَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ اِلَى الاْثارِ فَاَرْجِعْنى اِلَيْكَ بِكِسْوَةِ الاَْنْوارِ، وَهِدايَةِ الاِْسْتِبصارِ، حَتّى اَرْجَعَ اِلَيْكَ مِنْها كَما دَخَلْتُ اِلَيْكَ مِنْها، مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ اِلَيْها، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَنِ الاِْعْتِمادِ عَلَيْها، اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَىء قَديرٌ، اِلهى هذا ذُلّى ظاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهذا حالى لا يَخْفى عَلَيْكَ، مِنْكَ اَطْلُبُ الْوُصُولُ اِلَيْكَ، َوِبَكَ اَسْتَدِلُّ عَلَيْكَ، فَاهْدِنى بِنُورِكَ اِلَيْكَ، وَاَقِمْنى بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ، اِلهى عَلِّمْنى مِنْ عِلْمِكَ الَْمخْزُونِ، وَصُنّى بِسِتْرِكَ الْمَصُونِ، اِلهى حَقِّقْنى بِحَقائِقِ اَهْلِ الْقُرْبِ، وَاسْلُكْ بى مَسْلَكَ اَهْلِ الْجَذْبِ، اِلهى اَغْنِنى بِتَدْبيرِكَ لى عَنْ تَدْبيرى، وَبِاخْتِيارِكَ عَنِ اخْتِيارى، وَاَوْقِفْنى عَلى مَراكِزِ اضْطِرارى، اِلهى اَخْرِجْنى مِنْ ذُلِّ نَفْسى، وَطَهِّرْنى مِنْ شَكّى وَشِرْكى قَبْلَ حُلُولِ رَمْسى، بِكَ اَنْتَصِرُ فَانْصُرْنى، وَعَلَيْكَ اَتَوَكَّلُ فَلا تَكِلْنى، وَاِيّاكَ اَسْأَلُ فَلا تُخَيِّبْنى، وَفى فَضْلِكَ اَرْغَبُ فَلا تَحْرِمْنى، وَبِجَنابِكَ اَنْتَسِبُ فَلا تُبْعِدْنى، وَبِبابِكَ اَقِفُ فَلا تَطْرُدْنى، اِلهى تَقَدَّسَ رِضاكَ اَنْ يَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ مِنْكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ عِلَّةٌ مِنّى، اِلهى اَنْتَ الْغِنىُّ بِذاتِكَ اَنْ يَصِلَ اِلَيْكَ النَّفْعُ مِنْكَ، فَكَيْفَ لا تَكُونُ غَنِيّاً عَنّى، اِلهى اِنَّ الْقَضآءَ وَالْقَدَرَ يُمَنّينى، وَاِنَّ الْهَوى بِوَثائِقِ الشَّهْوَةِ اَسَرَنى، فَكُنْ اَنْتَ النَّصيرَ لى، حَتّى تَنْصُرَنى وَتُبَصِّرَنى، وَاَغْنِنى بِفَضْلِكَ حَتّى اَسْتَغْنِىَ بِكَ عَنْ طَلَبى، اَنْتَ الَّذى اَشْرَقْتَ الاَْنْوارَ فى قُلُوبِ اَوْلِيآئِكَ حَتّى عَرَفُوكَ وَوَحَّدوكَ، وَاَنْتَ الَّذى اَزَلْتَ الاَْغْيارَ عَنْ قُلُوبِ اَحِبّائِكَ حَتّى لَمْ يُحِبُّوا سِواكَ، وَلَمْ يَلْجَأوا اِلى غَيْرِكَ، اَنْتَ الْمُوْنِسُ لَهُمْ حَيْثُ اَوْحَشَتْهُمُ الْعَوالِمُ، وَاَنْتَ الَّذى هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبانَتْ لَهُمُ الْمَعالِمُ، ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ، وَمَا الَّذى فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ، لَقَدْ خابَ مَنْ رَضِىَ دُونَكَ بَدَلاً، وَلَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغى عَنْكَ مُتَحَوِّلاً، كَيْفَ يُرْجى سِواكَ وَاَنْتَ ما قَطَعْتَ الاِْحْسانَ، وَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِكَ وَاَنْتَ ما بَدَّلْتَ عادَةَ الاِْمْتِنانِ، يا مَنْ اَذاقَ اَحِبّآءَهُ حَلاوَةَ الْمُؤانَسَةِ، فَقامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَلِّقينَ، وَيا مَنْ اَلْبَسَ اَوْلِياءَهُ مَلابِسَ هَيْبَتِهِ، فَقامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُسْتَغْفِرينَ، اَنْتَ الذّاكِرُ قَبْلَ الذّاكِرينَ، وَاَنْتَ الْبادى بِالاِْحْسانِ قَبْلَ تَوَجُّهِ الْعابِدينَ، وَاَنْتَ الْجَوادُ بِالْعَطآءِ قَبْلَ طَلَبِ الطّالِبينَ، وَاَنْتَ الْوَهّابُ ثُمَّ لِما وَهَبْتَ لَنا مِنَ الْمُسْتَقْرِضينَ، اِلهى اُطْلُبْنى بِرَحْمَتِكَ حَتّى اَصِلَ اِلَيْكَ، وَاجْذِبْنى بِمَنِّكَ حَتّى اُقْبِلَ عَلَيْكَ، اِلهى اِنَّ رَجآئى لا يَنْقَطِعُ عَنْكَ وَاِنْ عَصَيْتُكَ، كَما اَنَّ خَوْفى لا يُزايِلُنى وَاِنْ اَطَعْتُكَ، فَقَدْ دَفَعْتَنِى الْعَوالِمُ اِلَيْكَ، وَقَدْ اَوْقَعَنى عِلْمى بِكَرَمِكَ عَلَيْكَ، اِلهى كَيْفَ اَخيبُ وَاَنْتَ اَمَلى، اَمْ كَيْفَ اُهانُ وَعَلَيْكَ مُتَكَّلى، اِلهى كَيْفَ اَسْتَعِزُّ وَفِى الذِّلَّةِ اَرْكَزْتَنى، اَمْ كَيْفَ لا اَسْتَعِزُّ وَاِلَيْكَ نَسَبْتَنى، اِلهى كَيْفَ لا اَفْتَقِرُ وَاَنْتَ الَّذى فِى الْفُقَرآءِ اَقَمْتَنى، اَمْ كَيْفَ اَفْتَقِرُ وَاَنْتَ الَّذى بِجُودِكَ اَغْنَيْتَنى، وَاَنْتَ الَّذى لا اِلهَ غَيْرُكَ تَعَرَّفْتَ لِكُلِّ شَىء فَما جَهِلَكَ شَىءُ، وَاَنْتَ الَّذى تَعَرَّفْتَ اِلَىَّ فى كُلِّ شَىء، فَرَاَيْتُكَ ظاهِراً فى كُلِّ شَىء، وَاَنْتَ الظّاهِرُ لِكُلِّ شَىء، يا مَنِ اسْتَوى بِرَحْمانِيَّتِهِ فَصارَ الْعَرْشُ غَيْباً فى ذاِتِهِ، مَحَقْتَ الاْثارَ بِالاْثارِ، وَمَحَوْتَ الاَْغْيارَ بِمُحيطاتِ اَفْلاكِ الاَْنْوارِ، يا مَنِ احْتَجَبَ فى سُرادِقاتِ عَرْشِهِ عَنْ اَنْ تُدْرِكَهُ الاَْبْصارُ، يا مَنْ تَجَلّى بِكَمالِ بَهآئِهِ، فَتَحَقَّقتْ عَظَمَتُهُ مَنْ الاِْسْتِوآءَ، كَيْفَ تَخْفى وَاَنْتَ الظّاهِرُ، اَمْ كَيْفَ تَغيبُ وَاَنْتَ الرَّقيبُ الْحاضِرُ، اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَىء قَدير، وَالْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ