هو محمد سعيد بن محمد شريف بن نور الدائم، من قبيلة الجموعية، إحدى قبائل المجموعة الجعلية العباسية، و اشتهر بمحمد سعيد العباسي.
ولد العباسي عام 1880م بعرديب بالنيل الأبيض، و انتقل به والده محمد شريف في حوادث المهدية إلى أم مرح شمال أم درمان و عمره سبع سنين، و أدخله خلوة -كتاب- عمه الشيخ زين العابدين الشيخ أبي صالح، و خلوة -كتاب- الشيخ عوض الكريم الأزهري بأم درمان، إلى أن بلغ العشرين، و أخذ عن علماء عصره أمثال الشيخ محمد البدوي.
و في عام 1899 التحق بالكلية الحربية المصرية، و لكنه استقال منها بعد عامين. و قد نشأت بينه و بين الشيخ عثمان زناتي مدرس اللغة العربية بالكلية الحربية صلة روحية عظيمة.
و ذهب العباسي مرة أخرى لمصر مع والده عام 1906م، و لما توفي والده محمد شريف عام 1907م كان عمره ثمانية و عشرين عاماً.
و كان مولعاً بحياة البادية، و كان يزور الكبابيش لعدة أشهر كل عام في الثلاثينات.
له من الأبناء محمد، و ضياء الدين، و محمد شريف، و نور الدائم، و الطيب، و مالك، و ثريا، و رقية، و إسماعيل.
و توفي صاحب الترجمة عام 1962م، فعليه رحمة المولى عز و جل، و أسكنه فسيح جنانه.
و لقد كان أفراد من هذه الأسرة الكريمة أصدقاء للوالد، و أذكر منهم المرحوم الطيب بن محمد سعيد العباسي، و هو شاعر ورث رقة الكلام، و بلاغة الأوصاف عن والده فتجلى ذلك شعراً راقياً، دافئاً، مفعماً بالمعاني الجميلة.
و كذلك أبو الحسن بن الطيب بن محمد سعيد العباسي، و الذي أخذت عنه بعضاً من هذه الترجمة الموجزة، بالإضافة لما نقلته عن كتاب الموسوعة للبروفيسور عون الشريف قاسم.
قال العباسي بإحداى قصائد ديوانه، في قصيدة "آلي"، يتذكر فيها أهله و حنينه إليهم:
يا مخبري بحديث أهل البان *** و مروّحي بالجزع من نعمان
أعد الحديث فدتك نفس مولع *** يبكي الطلول مدمع هتان
بالله هل وادي العقيق و ماؤه العذب *** الزلال و ضاله المتداني
كالعهد زاهٍ زاهر أم غيرت *** منه السنون و طارق الحدثان
قسماً بعهد لم أخنه و منتدى *** سامرت فيه أحبتي و زماني
إن حقق الله المنى و تبدلت *** تلك النوى و رجعت الأوطان
لأجددن من المشاهد روضة *** غنّا و أسقيها بدمع قان
و قال في قصيدته "ذكريات"، يحكي عن أيامه عندما كان يقيم بمصر:
أقصرتُ مذ عاد الزمانُ فأقْصَرا *** وغفرتُ لما جاءني مُستغفِرا
ما كنتُ أرضى يا زمانُ لَوَ انني *** لم ألقَ منكَ الضاحكَ المستبشرا
يا مرحباً قد حقّق اللهُ المنى *** فعلَيَّ إذ بُلّغْتُها أن أشكرا
يا حبّذا وادٍ نزلتُ، وحبذا *** إبداعُ من ذرأ الوجودَ ومن برا
مِصْرٌ، وما مصرٌ سوى الشمسِ *** التي بهرتْ بثاقب نورِها كلَّ الورى
ولقد سعيتُ لها فكنتُ كأنما *** أسعى لطيبةَ أو إلى أُمِّ القُرى
وبقيتُ مأخوذاً وقيّدَ ناظري *** هذا الجمالُ تَلفُّتاً وتَحيُّرا
فارقتُها والشَّعرُ في لون الدجى *** واليومَ عدتُ به صباحاً مُسْفِرا
سبعون قَصّرتِ الخُطا فتركنَني *** أمشي الهُوينى ظالعاً مُتَعثِّرا
من بعد أنْ كنتُ الذي يطأ الثرى *** زهواً ويستهوي الحسانَ تَبختُرا
فلقيتُ من أهلي جحاجحَ أكرموا *** نُزُلي وأولوني الجميلَ مُكرَّرا
وصحابةً بَكَروا إليَّ وكلُّهم *** خَطَب العُلا بالمكرمات مُبَكِّرا
يا من وجدتُ بحيّهم ما أشتهي *** هل من شبابٍ لي يُباع فيُشترى؟
ولَوَ انّهم ملكوا لما بخلوا بهِ *** ولأرجعوني والزمانَ القهقرى
لأظلَّ أرفل في نعيمٍ فاتني *** زمنَ الشبابِ وفِتُّه مُتحسِّرا
و هكذا تنطق كلماته روعة، و مشاعر فياضة، نلمس في كل كلمة نبض عاطفة الشاعر، و دفء أحاسيسه و صدقها، و التي خلدها في ديوان، سمي باسمه "ديوان العباسي"، و ليكون الاسم هو صفة القصائد بين دفتي الكتاب، و ما أصدقه من عنوان.
أما ابنه الطيب، فهو رقم آخر كوالده، أثرى الساحة الأدبية، بجانب عمله في سلك القضاء.
و أهداني مك الجموعية، حضرة المك دفع الله بن محمد بن ناصر، الذي زرته بحي العباسية الشهير بأم درمان، أهداني كتاب "الجموعية،،، عبق التاريخ و عمق الأصالة"، أنقل لكم بعض ما جاء بالكتاب -بتصرف-:
"ولد القاضي و الشاعر الطيب محمد سعيد العباسي في 1926م، و هو ابن أسماء بنت الزبير باشا -جده لأمه-، و الأستاذ محمد شريف نور الدائم (أستاذ الإمام محمد أحمد المهدي) جده لوالده.
تلقى تعليمه الأول بخلوة عمه الشيخ محي الدين أبو قرين بالجيلي موطن جده لأمه الزبير باشا.
و بعد فترة دراسية أخرى سافر إلى أرض الكنانة حيث درس المرحلة الثانوية في مدرسة حلوان بمصر، و التحق بعدها بجامعة القاهرة، حيث حصل على الليسانس في القانون من جامعة القاهرة في عام 1953م.
عمل بالتدريس بادئ ذي بدء، ثم المحاماة، و بعدها التحق بالسلك القضائي بالسودان عام 1957م، ثم ترقى لقاضي المديريات الثلاث الجنوبية، و في عام 1972م ترقى إلى قاضي محكمة استئناف الخرطوم.
و في عام 1975م كان رئيساً لمحكمة استئناف غرب السودان بالأبيض.
و في 1975-1978م كان رئيساً لمحكمة شمال كردفان و جنوب كردفان و دارفور.
و في 1978م ترقى إلى قاضي المحكمة العليا.
و في أواخر 1978م تقدم للمعاش الاختياري.
من 1979-1996م عمل مستشاراً للمجلس الاستشاري الوطني في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
و من ثم حضر للسودان في يوليو 1996م و عمل مستشاراً قانونياً و محامياً و موثقاً للعقود.
من مؤلفاته:
1- مختارات من شعر الطيب العباسي صادر في أبوظبي 1988م.
2- ديوان العباسيات صادر في السودان 1999م.
و له قصيدة تغنى فيها بالأخوة السودانية المصرية:
أخي يا ابن مصر فتاة الكفاح *** و أم الحضارة بين الأمم
إذا ما طوتك غيوم الزمان *** طوتني دياجيرها و الظلم
و إن سقط الدمع من مقلتيك *** بكيت بقلبي دمون و دم
و تأسى روافد بحر الغزال *** إذا ما بدمياط خطب ألم
و أما زأرت بشط القنال *** وثبت إليك خفيف القدم
نذود معاً عن حياض الجدود *** و رهط الأبوة منذ القدم
فأني نصيرك في الضفتين *** و أنت نصيري على كل هم
أخي ودع الحقل حتى نعود *** و جرد حسامك و ارمي القلم
و فجر أناشيدنا الثائرات *** أناشيد وحدتنا و العلم
لنبدأ عهد الكفاح الأليم *** في ورده يستطاب الألم
و هب ثائراً لا تمل الصراع *** و كن في ثباتك طوداً أشم
توفي الطيب بن محمد سعيد العباسي العام الماضي -2008.
رحم الله الطيب و أبا الطيب العباسي، و آله أجمعين، لقد قدمت أسرتهم العديد من الأسماء اللامعة التي لن تنسى في تاريخ السودان، على الصعيد السياسي و الأدبي و الثقافي.